خواطر الامام ابن الجوزي(الوقت والفراغ)
كتبهامسلم سلفي ، في 14 أيلول 2007 الساعة: 14:37 م
هذه نفائس للإمام أبي الفرج عبدالرحمن بن الجوزي رحمه الله تعالى ، وهي مجموعة من الخواطر ، جمعتها من كتاب (صيد الخاطر)وهو كتاب نفيس لما فيه من الفوائد الغزيرة النافعة التي يستفيد منه طالب العلم،وهذا الذي بين أيديكم مجموعة خواطر تعتني بالوقت والفراغ ، و كيف يغتنم فيها الأنسان هذه النعمة العظيمة،وفي الحديث"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ" ونسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم وأن ينفع به أخواننا طلاب العلم إنه سميع قريب والحمدالله رب العالمين.
الوقت كنز :
من عجائب ما أرى من نفسي ومن الخلق كلهم : الميل إلى الغفلة عما في أيدينا مع العلم بقصر العمر ، وأن زيادة الثواب هناك بقدر العمل ههنا .
فيا قصير العمر ، اغتنم يومي منى ، وانظر ساعة النَّفر(1) ، وإياك أن تشغل قلبك بغير ما خلق له .
واحمل نفسك على المرّ ، واقمعها إذا أبت ، ولا تسرح لها في الطول (2) ، فما أنت إلا في مرعى .
وقبيح بمن كان بين الصفين (3) أن يتشاغل بغير ما هو فيه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
(1)ساعة النفر :الساعة التي ينفر الناس فيها من منى ، وهو يشبه العمر بأيام الحج التي ستقضى ، وكما ينبغي على الحاج أن يقوم فيها بكل أفعال الحج كل في موعده ليصح حجه ، فكذلك ينبغي اغتنام العمر في العمل قيل انقضاء الموسم بالموت.
(2)أي لا تترك لها الحبل الذي تشد به ، فتذهب حيث شاءت .
(3)بين الصفين : أي في أتون المعركة ، ولعله يقصد بالصفين الجنة والنار ، فمن ذكرهما لم ينشغل عنهما .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
قيمة الوقت :
رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعا عجيبا .
إن طال الليل فبحديث لا ينفع ، أو بقراءة كتاب فيه غزاة وسمر ، وإن طال النهار فبالنوم ، وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق .
فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة ، وهي تجري بهم ، وما عندهم خبر .
ورأيت النادرين قد فهموا معنى الوجود ، فهم في تعبئة الزاد والتأهب للرحيل .
إلا أنهم يتفاوتون ، وسبب تفاوتهم : قلة العلم وكثرته بما ينفق في بلد الإقامة .
فالمتيقظون منهم يتطلعون إلى الأخبار بالنافق (1) هناك ، فيستكثرون منه فيزيد ربحهم .
والغافلون منهم يحملون ما اتفق ، وربما خرجوا لا مع خفير .
فكم ممن قد قطعت عليه الطريق ، فبقى مفلسا .
فالله الله في مواسم العمل . والبدار البدار قبل الفوات . واستشهدوا العلم ، واستدلوا الحكمة (2) ، ونافسوا الزمان (2) ، وناقشوا النفوس (4) ، واستظهروا بالزاد (5) ، فكأن قد حدا الحادي (6) فلم يفهم صوته من وقع مع الندم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
(1)النافق : الرائج الرابح .
(2)الحكمة :أي يجعلوا العلم شهيدا لكم ، والحكمة دليل لكم .
(3)أي سابقوه بالطاعات قبل أن ينقضي .
(4)أي حاسبوها .
(5)أي تقووا به ، واتخذوه ظهيرا لكم .
(6)أي نادى منادي الموت بالرحيل عن الدنيا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
صحبة أهل الفراغ بلاء :
أعوذ بالله من صحبة البطالين ، لقد رأيت خلقا كثيرا يجرون معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة ، ويسمون ذلك التردد خدمة ، ويطلبون الجلوس ، ويجرون فيه أحاديث الناس ، وما لا يعني ، وما يتخلله غيبة .
وهذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس ، وربما طلبه المزور ، وتشوق إليه ، واستوحش من الوحدة ، وخصوصا في أيام التهاني والأعياد ، فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض ، ولا يقتصرون على الهناء والسلام ، بل يمزحون ذلك بما ذكرته من تضيع الزمان .
فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء ، والواجب انتهاؤه بفعل الخير ، كرهت ذلك وبقيت مهمًّا(1) بين أمرين : إن أنكرت عليهم وقعت وحشة ، ولموضع قطع المألوف ، وإن تقبلته منهم ضاع الزمان .
فصرت أدافع اللقاء جهدي ، فإذا غلبت قصرت في الكلام ؛ لأتعجل الفراق . ثم أعددت أعمالا لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم ؛ لئلا يمضي الزمان فارغا ، فجعلت من المستعد للقائهم : قطع الكاغد(2) ، وبري الأقلام ، وحزم الدفاتر . فإن هذه الأشياء لا بد منها ، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب ، فأرصدتها لأوقات زيارتهم ؛ لئلا يضيع شيء من وقتي .
نسأل الله عزوجل أن يعرفنا شرف أوقات العمر ، وأن يوفقنا لاغتنامه .
ولقد شاهدت خلقا كثيرا لا يعرفون معنى الحياة ، فمنهم من أغناه الله من التكسب بكثرة ماله ، فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر إلى الناس ، وكم تمر به من آفة ومنكر .
ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج ؛ ومنهم من يقطع الزمان بكثرة الحوادث من السلاطين والغلاء والرخص ، إلى غير ذلك .
فعلمت أن الله ــ تعالى ــ لم يطلع على شرف العمر والمعرفة قدر أوقات العافية إلا من وفقه وألهمه اغتنام ذلك ( وما يلقها إلا ذو حظ عظيم )(3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
(1)أي مهموما ، من الهم .
(2)الكاغد : القطاس ، وهو معرّب .
(3) فصلت : 35
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
قيمة الوقت وفضل اغتنامه :
رأيت العادات قد غلبت الناس في تضيع الزمان ، وكان القدماء يحذرون من ذلك . قال الفضيل : أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة .
ودخلوا على رجل من السلف ، فقالوا : لعلنا شغلناك . فقال : أصدقكم ، كنت أقرأ ، فتركت القراءة لأجلكم .
وجاء رجل من المتعبدين إلى سريّ السقطي ، فرأى عنده جماعة ، فقال : صرت مناخ (1) البطالين ، ثم مضى ولم يجلس .
ومتى لان المزور طمع فيه الزائر ، فأطال الجلوس فلم يسلم من أذى .
وقد كان جماعة قعودا عند معروف فأطالوا ، فقال : إن ملك الشمس لا يفتر في سوقها ، أفما تريدون القيام ؟ .
وممن كان يحفظ اللحظات عامر بن عبد قيس ، قال له رجل : قف أكلمك . قال : فأمسك الشمس .
وقيل لكرز بن وبرة : لو خرجت إلى الصحراء ؟ فقال : يبطل الزوجار(2) .
وكان داود الطائي يستف الفتيت ، ويقول بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية .
وكان عثمان الباقلاني دائم الذكر لله تعالى ، فقال : إني وقت الإفطار أحس بروحي كأنها تخرج ؛لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر .
وأوصى بعض السلف أصحابه ، فقال : إذا خرجتم من عندي فتفرقوا ، لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه ، ومتى اجتمعتم تحدثتم .
واعلم أن الزمان أشرف من أن يضيع منه لحظة ، فإن في الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له بها نخلة في الجنة "(3) .
فكم يضيع من ساعات يفوته فيها الثواب الجزيل ، وهذه الأيام مثل المزرعة ، فكأنه قيل للإنسان : كلما بذرت حبة أخرجها لك ألف كرّ (4) ، فهل يجوز للعاقل أن يتوقف في البذر ويتوانى .
والذي يعين على اغتنام الزمان : الانفراد والعزلة مهما أمكن ، ولاختصار على السلام ، أو حاجة مهمة لمن يلقى ، وقلة الأكل ، فإن كثرته سبب النوم الطويل وضياع الليل .
ومن نظر في سير السلف وآمن بالجزاء بان له ما ذكرته .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
(1)المناخ : مبرك الإبل ، والمعنى صرت موضعا لجلوس الفارغين البطالين يستريحون فيه .
(2)كذا ، ولعلها كلمة غير عربية .
(3)الحديث عن جابر بن عبد الله ، رواه الترميذي في كتاب الدعوات 9 /433(3531)، وقال : حسن غريب صحيح ، وصححه ابن حبان 2 /97(824) والحاكم 1/501-502 وقال : على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي ، وأبو يعلى 4/165(2233) بإسناد صحيح .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
قيمة الوقت:
ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه ، وقدر وقته ، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة ، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل ، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور ، بما لا يعجز عنه البدن من العمل ، كما جاء في الحديث : " نية المؤمن خير من عمله " (1) .
وقد كان جماعة من السلف يبادرون اللحظات . فنقل عن عامر بن عبد قيس أن رجلا قال له : كلمني .فقال له : أمسك الشمس .
وقال ابن ثابت البنانى : ذهبت ألقن أبى ، فقال : يا بني ، دعني ، فإني في وردى السادس .
ودخلوا على بعض السلف عند موته ، وهو يصلى ، فقيل له ، فقال : الآن تطوى صحيفتي (2) .
فإذا علم الإنسان ــ وإن بلغ في الجد ـ بأن الموت يقطعه عن العمل ، عمل في حياته ما يدوم له أجره بعد موته .
فإن كان له شيء من الدنيا ، وقف وقفا ، وغرس غرسا ، وأجرى نهرا ، ويسعى في تحصيل ذرية تذكر الله بعده ، فيكون الأجر له . أو أن يصنف كتابا من العلم ، فإن تصنيف العالم ولده المخلد . وأن يكون عاملا بالخير ، عالما فيه ، فينقل من فعله ما يقتدى الغير به .
فذلك الذي لم يمت .
قد مات قوم وهم في الناس أحياء .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
(1)الحديث روي باسانيد ضعاف عن النواس بن سمعان رواه القضاعي في مسند الشهاب 1/119(148) وجزء من حديث سهل بن سعد رواه أبو نعيم في الحلية 3/255،والطبراني (مجمع الزوائد 1/61)وعن أنس عند القضاعي (147) وأنظر المقاصد الحسنة ص450(1260).
(2)يعني أنه يريد أن يختم حياته بخير ، ليبعث على خير ، فالمرء على ما مات عليه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























